|
صــراع الحضرات في المفهوم الاسلامي

الدكتور : عبد العزيز بن عثمان التويجري
تقديم
كتبت في الحوار بين الحضارات في العديد من المناسبات، وجمعت الدراسات التي كتبتها حول هذا الموضوع، في كتاب لي صدر في القاهرة بعنوان (الحوار من أجل التعايش)، وفي الجزء ين الثالث والرابع من كتابي (في البناء الحضاري للعالم الإسلامي) وفي الجزء الخامس منه الذي سيصدر قريباً، إن شاء اللَّه. وكنت أعرض لمفهوم صراع الحضارات، خلال دراستي للجوانب المتعدّدة للحوار بين الحضارات، وأتوقف عنده بقدر ما تسمح به طبيعة معالجة القضايا والموضوعات المتصلة بالحوار في دلالاته الحضارية ومفاهيمه الثقافية. وتولّدت لدي الرغبة في أن أدرس ظاهرة (صراع الحضارات) بقدر من التأنّي، وأعكف على تحليلها من جوانبها المتنوّعة، لأخلص إلى تأصيل المفهوم الإسلامي لهذا الصراع الحضاري الذي لا نُنكره، وإنما نعدّه شذوذاً عن القاعدة، ونحسبه انحرافاً عن السنن الكونية.
ولقد حرصت في هذه الدراسة الجديدة التي أنشرها مترجمةً إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية، على تحديد معنى الصراع وتوصيف مدلوله، وإظهار جذوره في الفكر الأوروبي، لأنتقل من ذلك، إلى بحث أوجه الصراع في العلاقات الدولية، ومظاهره المختلفة في العصور القديمة والحديثة والمعاصرة، وبيَّنت أن التدافع هو السمة الأساس في علاقات الحضارات بعضها ببعض، انطلاقاً من المفهوم القرآني، وهو تدافع يؤدي إلى منع الفساد في الأرض.
كما عرضت إلى قضية (التفاعل الحضاري)، التي هي في نظري البديل للصراع، وتناولت صراع الحضارات في المفهوم الإسلامي، لأخلص بعد ذلك، إلى تأصيل الرؤية الإسلامية إلى العلاقات بين شعوب العالم، وإلى التأكيد على أن صراع الحضارات في الرؤية الإسلامية، حالةٌ عارضةٌ في مسيرة التاريخ.
واللَّه الموفق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة
مدخل :
لعلَّ من أكثر التعابير والمصطلحات انتشاراً وشيوعاً خلال العقد الأخير من القرن العشرين، (صراع الحضارات) ومقابله : (حوار الحضارات)، سواء أكان ذلك على المستوى العام بالنشر في الصحف والمجلات وأجهزة الإعلام الأخرى من محطات إذاعية وتلفزيونية ومواقع متعددة على شبكة المعلومات العالمية الأنترنيت، أم على المستوى الخاص بالبحث والدراسة والمناقشة في دوائر البحوث والدراسات ومساندة القرار، أو في الكليات والجامعات، أو في المنتديات الفكرية، أو في المحافل السياسية والملتقيات الثقافية، أو في المؤتمرات المتخصصة وغير المتخصصة التي تعنى ببحث القضايا الدولية المطروحة على الساحة العالمية طوال هذه المرحلة التي كانت ولا تزال من المراحل الدقيقة والحاسمة في تاريخ البشرية، دون منازع.
لقد صار مصطلح (صراع الحضارات) عَلَماً على هذه المرحلة، ولايزال يفرض نفسه في سياق البحث في القضايا الدولية، سواء أكانت فكرية وثقافية، أم سياسية واجتماعية، أم اقتصادية وتنموية.
وربما جاز لنا أن نقيس شيوع مصطلح (صراع الحضارات) بما كان يروج خلال فترة الحرب الباردة، من مصطلحات ذات حمولة ايديولوجية ومضامين سياسية هي البضاعة الفكرية التي كانت تُطرح للتسويق على الصعيد الدولي، في تلك الحقبة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية والتي استمرت إلى سقوط حائط برلين، ثم انهيار الاتحاد السوفياتي وما استتبع ذلك الانهيار من انحلال الكتلة الشرقية الأوروبية بالكامل.
من هنا كان من مقتضيات التعامل مع الظواهر الفكرية السائدة في عالم اليوم، ومن الشروط المُوجبة لتحليل مضامينها وبحث محتوياتها وتعقّب مساراتها واستقراء أبعادها، دراسةُ أكثر هذه الظواهر شيوعاً وأبعدها تأثيراً في الحياة السياسية وفي المعترك الثقافي والفكري الذي يتعيّن على الأمة الإسلامية أن تخوض فيه، وهي تستشرف مستقبلها في القرن الخامس عشر الهجري، ومنها الظاهرة الفكرية التي أفرزها هذا الشيوعُ الواسعُ لمصطلح (صراع الحضارات) ولمقابله (حوار الحضارات).
معنى الصراع ومدلوله :
لا يستقيم فهمنا لمدلول الصراع إلا إذا عرفنا معنى اللفظ ومغزى المصطلح. جاء في لسان العرب (الصرع : الطرح بالأرض، وخصَّه في التهذيب بالإنسان، صَارَعَهُ صَرْعاً وصِرْعاً، فهو مصروع وصريع، والجمع صرعى، والمصارعة والصراع معالجتهما أيهما يصرع صاحبَه. والصرع علةٌ معروفة، والصريع المجنون، ومصارع القوم حيث قُتلوا، وفي الحديث : الصُّرَعَة (بضم الصاد وفتح الراء مثل الهمزة)، الرجل الحليم عند الغضب، وهو المبالغ في الصراع الذي لا يُغلب) (1).
وورد في القرآن الكريم مرة واحدة، (صرعى)، يقول تعالى : { فترى القوم فيها صرعى} (2). والمعنى هنا، الطرح بالأرض، وهو يخصّ الإنسان.
واكتسب المصطلح مفهوماً سياسياً واسع الانتشار واتخذ طابع النظرية في القرن التاسع عشر، حين ورد في (البيان الشيوعي) لماركس وانجلز. جاء في (الموسوعة السياسية) أن الفكرة العصرية عن صراع الطبقات تعود إلى عهد الثورة الفرنسية، ولكن النظرية مستمدة من أفكار ماركس وانجلز كما أورداها في البيان الشيوعي والذي جاء فيه : (إن تاريخ المجتمع كلَّه حتى اليوم هو تاريخ صراع الطبقات) (3). ويُلاحظ هنا ورود لفظ (كلَّه) الذي يفيد الجمع وينفي الاستثناء، على وجه الجزم والقطع، وهي لازمةٌ من اللوازم المرتبطة بالفكر الشمولي في كل زمان ومكان، سواء أكان شيوعياً أم رأسمالياً.
وهو التعبير نفسه الذي يرد عند المفكرين المروّجين اليوم للصراع أو الصدام بين الحضارات والثقافات.
وغلبت فكرة الصراع على الفكر الأوروبي في جميع المراحل التي مرَّ بها، وأدت الشعوب الأوروبية ثمناً فادحاً لهذه الغلبة القسرية، حيث عانت أشدَّ المعاناة من الحروب الأهلية فيما بينها، كانت آخرها الحرب العالمية الثانية التي أضرمت شرارتَها عقيدةٌ عنصرية ونزعةٌ استبدادية اصطبغتا بصبغة الصراع القانية.
وعلى المستوى الفكري والمذهبي والسياسي، كانت الأفكار الكبرى التي أحدثت عميق التأثير في المجتمعات الأوروبية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، أفكاراً ذات منطلقات صراعية، مثل الشيوعية التي قامت على مبدإ الصراع الطبقي الذي هو درجةٌ عليا في سّلم الصراع. وينطبق هذا حتى على الرأسمالية التي قامت هي الأخرى، على مبدإ الصراع ضد العوائق والموانع والحواجز التي تمنع الرأسمال من الانطلاق من القيود، والتي تشنّ حرباً عواناً على الأوضاع التي لاتتقبّل المذهب الرأسمالي، حتى وإن أدّى تطبيق هذا المذهب والعمل به إلى الإضرار بمصالح الشعوب الفقيرة، فمن أجل الوصول إلى الرفاهية والوفرة والرخاء والازدهار الاقتصادي، لاشيء يمنع من استغلال الشعوب الأخرى والهيمنة على مُقدراتها. وهو الأمر الذي أدى، ولا يزال يؤدي، إلى زعزعة استقرار المجتمعات الحديثة، بما فيها المجتمعات الرأسمالية ذاتها.
جذور الصراع في الفكر الأوروبي :
ينبغي أن نجلو ابتداءً، حقيقةً من الحقائق التي تنطوي عليها الحضارة الغربية الراهنة، وهي أنّ فكرة الصراع أصلٌ أصيلٌ في هذه الحضارة، يعود إلى العصر اليوناني، ثم العصر الروماني اللذين سادت فيهما مفاهيم الصراع بدلالاتها المتعددة ومعانيها المتنوعة، انطلاقاً مما كان يعرف في الفكر اليوناني القديم من عقيدة (صراع الآلهة) القائمة على تعدّد الآلهة مما يؤدّي إلى الصراع فيما بينها، و(صراع القوة والضعف)، و(صراع الخير والشر)، و(صراع الإنسان مع الطبيعة)، و(صراع الإنسان مع الآلهة) أيضاً. وقد طبع الصراعُ الفكرَ اليونانيَّ في مناحيه الدينية والفلسفية والأدبية والفنية، كما طبع الصراعُ الفكر الرومانيَّ في مظاهره التشريعية والقانونية والسياسية والمدنية، بحيث غلبت فكرة الصراع على الفكر اليوناني والروماني وهيمنت عليه هيمنة مطلقة وصبغت العقل اليوناني والروماني بصبغة الصراع باعتباره أصلاً ثابتاً للحياة الدنيوية والأخروية.
فالصراع أسٌّ من الأسس الثابتة التي تقوم عليها الحضارة الغربية الحديثة، التي هي وريثة الحضارتين اليونانية والرومانية القديمتين، وهو جِذْرٌ ثابتٌ من جذور الفكر الأوروبي في أطواره التاريخية المتعاقبة.
وكذلك الأمر بالنسبة للحضارة الفنيقية وللحضارة المصرية القديمة اللتين عرفتا فكرة الصراع في مستويات أخرى. ومن الحقائق التي تكشفت أخيراً وكانت محجوبة عن الأفهام، أنّ الحضارتين اليونانية والرومانية أخذتا عن الحضارة المصرية القديمة مقوّماتها ومفاهيمها، وهذا ما يدحض نظريةَ مركزية الحضارة الغربية التي تُعدُّ عند المؤرخين الغربيين الأصل الأول للحضارات الإنسانية عموماً. وكانت فكرة الصراع مهيمنة على هذه الحضارة المنشأ أيضاً.
وعلى مستوى المعتقد الديني، فإنَّ (العهد القديم) لا يخلو من روح الصراع، وتعكس التوراة التي يؤمن بها اليهود اليوم وطائفة من المسيحيين في الغرب، هذه الروحَ التي تسري في كتاب يعد وحيا من الله. وقد تغلغلت هذه الروح في المعتقدات الدينية، وفي العقائد الفلسفية، وفي الأعمال الأدبية والفنية، حتى صار الفكر الديني والفلسفي واقعاً تحت تأثير هذه الفكرة التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الفكر الأوروبي، ومن الحضارة الغربية بصورة عامة.
ولقد تبلورت فكرة الصراع في الفكر الأوروبي بصورة واضحة في عصر التنوير الذي كان من أقوى مظاهره احتدامُ الصراع بين طبقة العلماء والمفكرين والفلاسفة والكتاب والأدباء وبين الكنيسة.
وإذا تأملنا اليوم الوضع الدولي العام، وجدنا أن نظام العولمة الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وتسعى إلى فرضه على العالم عبر مجموعة من التدابير والأنظمة التي تستند إلى الشرعية الدولية من خلال عقد سلسلة من مؤتمرات القمة العالمية حول موضوعات وقضايا يُراد تطويعُها وصبّها في قالب دولي للدفع بنظام العولمة إلى اكتساح المواقع وفرض الوجود على العالم كلّه ــ وجدنا هذا النظام تعبيراً عن فكرة الصراع وانعكاساً لروحها. كما أن الحرب على الإرهاب وفق المنظور الأمريكي، تحولت هي الأخرى إلى حرب من أجل الهيمنة والتسلّط، وفرض المفهوم الأمريكي بالقوة، على الرغم من اختلاف المواقف الدولية بشأن مفهوم الإرهاب وكيفية محاربته ومعالجة الدوافع المؤدية إليه والقضاء على مصادره. ولذلك نرى الإدارة الأمريكية، تصنف الدول والشعوب وفق ثنائية الخير والشر، فهناك محور الشر معظم المعدودين فيه من المسلمين، مقابل محور الخير الذي تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية ويضم الدول الغربية كما يضم، وهذا من المضحكات المبكيات، إسرائيل صاحبة اليد الطولى في الإرهاب والعدوان والخروج عن القانون الدولي.
لقد طرحت فكرة (الصراع للحياة) في القرن التاسع عشر في أوربا والتي حلَّت في نظرية داروين مكان النظريات السالفة عن التوافق الطبيعي، وساد في الأوساط العلمية والفكرية الاعتقاد في وجود كثير من الصراع حتى في الطبيعة، وأن هذا الصراع هو من سمات الطبيعة. والفكرة الأساس التي تمركز حولها الفكر الأوروبي هي أنه لا وجود لتشابه كامل بين الطبيعة والمجتمع، فهناك الكثير من الصراع في المجتمع، ولكن الصراع بين الناس ليس من أجل الوجود، ولكنه من أجل تحقيق فرص أفضل للاستمتاع والارتقاء(4).
وجاء المفكرون والعلماء الأوروبيون في أواخر القرن التاسع عشر وفي النصف الأول من القرن العشرين، فبلوروا فكرة الصراع، وأقاموا نظرياتهم سواء في مجال العلوم البحتة أوفي حقل العلوم الإنسانية، على قاعدة الصراع بين الإنسان والطبيعة، وبين الكائنات جميعاً، وكان حظ علوم الاجتماع والنفس والآداب والفنون من التأثر بفكرة الصراع في الحياة عظيماً.
يقول المفكر و.ث. جونز ملخصاً في دقةٍ وتركيزٍ الوضعَ الفكري في أوربا فيما يعرف بعصر النهضة : "استحوذ الإنسان في عصر النهضة بأهمية أكبر من الله، وأصبح الاهتمام بارتباط الإنسان ببني جنسه أكبر من الاهتمام بارتباط روحه بالله، واتخذ الإنسان الطبيعة والإنسانية هدفاً، عوضاً عمّا فوق الطبيعة والكمال الإلهي، وبات الأمر الأهمّ ما يحققه الإنسان في دنياه، لا ما ينتظره في العالم الآخر. ومطالبُ الإنسان في هذه الدنيا إنما هي، عموماً، غنى شخصية الفرد، ونموَّ قواه العقلية، وقابلياته المعنوية، واستثمار مظاهر الجمال المتنوعة، والحياة المجللة بالنعم الدنيوية. وهكذا خرج الإنسان من كونه مرآة للمشيئة الإلهيّة، ومظهراً ثابتاً للإنسان، ليصبح ميداناً لتجاذب قوى الطبيعة وصراعها. فلا مفرّ إذاً للإنسان من الالتحاق بحلبة التنافس هذه<(5).
وتلك عقيدةٌ كامنة في الوجدان الغربي وعقدةٌ مترسبة في فكر الغرب وثقافته.
الصراع في العلاقات الدولية :
كانت هذه المنطلقات الفكرية والمذهبية والتاريخية لفكرة الصراع، الأساسَ الذي قامت عليه العلاقات الدولية في فترة الحرب الباردة. واحتدم صراعٌ ظاهر وخفيّ ومحموم، بين القطبين الكبيرين امتدّت مضاعفاته وآثاره وانعكاساته إلى معظم أنحاء العالم. وكان كلّ قطب يعمل جهده من أجل تأجيج الصراع في الساحة الدولية، تطلعاً إلى اكتساب مواقع نفوذ جديدة تدعم مركزه الدولي. وكان ما يُصطلح عليه في العرف السياسي الدولي بـ (لعبة الأمم) قائماً على أساس إذكاء كل طرف من أطراف (اللعبة) لجذوة الصراع، من منطلق أنه كلما احتدم الصراع، انفتحت الآفاق أمامه إلى توسيع رقعة نفوذه السياسي والاقتصادي والفكري والثقافي. ولقد استنزف هذا الصراع المحتدم طاقات وإمكانات وجهوداً كثيرة، وتسبَّب في ضياع فرص عديدة كانت كفيلة بتصحيح مسار العلاقات الدولية والإسهام بجدّية في استقرار الأوضاع العالمية وفي استتباب الأمن والسلم الدوليين.
ولم تنطفئ جذوة الصراع في العلاقات الدولية بعد انهيار القطب المنافس، فقد انفردت الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة السياسة الدولية والتحكم والسيطرة على العلاقات الدولية، متجاوزةً بذلك مقتضيات ميثاق الأمم المتحدة، وهو الأمر الذي ترتَّب عليه تسمية عدو جديد للغرب، وإطلاق حملة دعائية جبارة للتخويف منه ومن الخطر الذي يمثله على مصالح الغرب ومستقبله.
وفي وسط هذه الأجواء العالمية غير المستقرة، وفي ظل هذه المتغيرات التي غيّرت موازين القوى في العالم، برزت في ثوب جديد، فكرة الصراع بين الحضارات، وتمّ تأصيلها في المختبرات الفكرية في الولايات المتحدة الأمريكية، مما يؤكد تأكيداً قوياً، ضلوع القطب الأوحد المتربع على قمة هرم السياسة الدولية، في ما يمكن أن نصفه بأنه خطة محكمة ومدبرة للزجّ بالعالم كلّه في معارك فكرية، ونزاعات دينية وأزمات سياسية وصراعات ثقافية وحضارية، لتتعزَّز قواعد النظام الدولي الجديد الذي صاغته القوة الأكثر نفوذاً في العالم، ولتتمهد السبل أمام نظام العولمة الذي تتحكم فيه لبسط نفوذه على العالم أجمع.
وبدخول فكرة صراع الحضارات معترك الصراع السياسي على الصعيد الدولي، في صياغة جديدة اصطبغت بالصبغة الأكاديمية وظهرت بمظهر التنظير الفكري الذي لا صلة له بالقرار السياسي للدولة العظمى، تكون حرب الأفكار قد دخلت مرحلة جديدة، من أبرز ملامحها تصنيفُ الحضارة الإسلامية ضمن الحضارات المعادية للحضارة الغربية والتي تدخل، أو ستدخل حتماً طبقاً لهذا التنظير، في صراع مع هذه الحضارة في المستقبل المنظور، مما يحملنا على التساؤل عن الدوافع وراء تفجير الصراع بين الحضارات واستهداف الحضارة الإسلامية والعالم الإسلامي به في هذه المرحلة بالذات؟.
صراع الحضارات، هل هو حتميّ ؟
يطرح عدد من المفكرين الغربيين، خاصة الأمريكيين منهم، فكرة صراع الحضارات أو صدامها باعتبارها حتميةً، وهم هنا يقعون فيما وقعت فيه نظرية الحتمية التاريخية، التي تهافتت وأصبحت من مخلفات التاريخ الفكري للبشرية في القرنين التاسع عشر والعشرين. ويأتي صامويل هنتنغتون في مقدمة هؤلاء المفكرين، حيث أصدر في عام 1996 م كتابه الشهير "صدام الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي"، وفرانسيس فوكوياما الذي أصدر كتابه الشهير أيضاً "نهاية التاريخ".
والقول بحتمية صراع الحضارات أو صدامها، يُجَافي سنة التاريخ ويتعارض مع طبيعة الحضارة، فالحضارة لا طابع عرقي لها، وهي لا ترتبط بجنس من الأجناس، ولا تنتمي إلى شعب من الشعوب، على الرغم من أن الحضارة قد تنسب إلى أمة من الأمم، أو إلى منطقة جغرافية من مناطق العالم على سبيل التعريف ليس إلاَّ، بخلاف الثقافة التي هي رمزٌ للهوية، وعنوانٌ على الذاتية، وتعبيرٌ عن الخصوصيات التي تتميز بها أمة من الأمم، أو يتفرّدُ بها شعبٌ من الشعوب.
والحضارة هي وعاءٌ لثقافات متنوعة تعدّدت أصولها ومشاربها ومصادرها، فامتزجت وتلاقحت، فشكّلت خصائص الحضارة التي تعبّر عن الروح الإنسانية في إشراقاتها وتجلياتها، وتعكس المبادئ العامة التي هي القاسم المشترك بين الروافد والمصادر والمشارب جميعاً.
ولكلّ حضارة مبادئ عامةٌ تقوم عليها، تنبع من عقيدة دينية، أو من فلسفة وضعية، حتى وإن تعدّدت العقائد والفلسفات، فإنَّ الخصائص المميزة للحضارة، تُستمدّ من أقوى العقائد رسوخاً وأشدّها تمكّناً في القلوب والعقول ومن أكثرها تأثيراً في الحياة العامة، بحيث تصطبغ الحضارة بصبغة هذه العقيدة، وتنسب إليها، فتكون النسبة صحيحةً، لصحة المبادئ التي تستند إليها، ومثال ذلك الحضارةُ الإسلامية.
والحضارات الكبرى التي عرفها تاريخ البشرية تَتَفَاوَتُ فيما بينها في موقفها من المادية والروحية، فمنها ما يغلب عليه الجانب المادي، ومنها ما يغلب عليه الجانب الروحي، ومنها ما يسوده التوازنُ بينهما. فهي إذن، سلسلة متعاقبة من الحضارات التي تخلي كلُّ واحدة منها المجالَ لما سوف يتلوها من حضارة أخرى، مما جعل كثيراً من الباحثين في مجال دراسة الحضارات يذهبون إلى القول بوجود التماثُل والتطابُق بين الكثير من هذه الحضارات(6). والتماثل والتطابق لا يدعان مجالاً للصراع.
ولذلك، فإن الحضارات لا تتصارع، وإنما تَتَدَافَعُ وتَتَلاقَحُ ويكمل بعضها بعضاً، وتَتَعَاقَبُ وتَتَواصَلُ، لأنها خلاصة الفكر البشري والإبداع الإنساني وحركة التاريخ التي هي، في المفهوم الإسلامي، سنة اللَّه في الكون. فالصراع بين الحضارات، ليس وارداً، لأن دورات التاريخ تطَّرِدُ وفق المشيئة الإلهية، ولأن التاريخ هو من صنائع الله، والإنسان الذي يؤثر في مسار التاريخ ويصوغه ويُبدع فيه، هو من أكرم خلق اللَّه.
والتدافع الحضاري مفهومٌ قرآنيٌّ، وهو جامعٌ للمعاني والدلالات التي تؤكد بطلان نظرية صراع الحضارات من الأساس. يقول اللَّه تعالى :{ ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض}(7)، ويقول عزَّ من قائل: { ولو لا دفع اللَّه الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يُذكر فيها اسم اللَّه كثيراً}(8). ويأمر اللَّه عباده بالدفع بالتي هي أحسن في جميع الأحوال، في قوله تعالى :{ ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليًّ حميم}(9)، ويقول عز وجلّ : { ادفع بالتي هي أحسن السيئةَ نحن أعلم بما يصفون} (10).
ودفع اللَّه الناس بعضهم ببعض يُلغي الصراع ويبطل زعمه، لأن هذا (الدفع) هو الذي يمنع فساد الأرض ويحول دونه. وينبغي أن نتنبَّه في هذا السياق إلى الفرق الدقيق بين (فساد الأرض) و(الفساد في الأرض)، فالمعنى الأول الوارد في الآية القرآنية الواحدة والخمسين بعد المائتين من سورة البقرة، ينصرف إلى فساد الأرض باختلال النظام الذي وضعه الخالق سبحانه لحياة البشر فوقها، الذي إذا اختل واضطرب، فسدت الأرض. وهذا مظهرٌ من مظاهر الصراع، وهو الوضع الذي ينتج عن احتدام الصراع بين الحضارات والثقافات. أما المعنى الثاني وهو (الفساد في الأرض) فهو ينصرف إلى الفساد الذي ينتج عن أفعال البشر، وهو من طبائع الأشياء.
والحياة الإنسانية قائمة على أساس (دفع اللَّه الناس بعضهم ببعض)، فهذا هو القانون الأزلي للبشر فوق الأرض، وهو سنة الله ولن تجد لسنة تبديلاً. وبذلك تتهاوى مزاعم الصراع، وتسقط افتراضاته، وتتهافت حتمياته.
وعلى هذا الأساس، فإن مصير الحضارات لم يكن عبر التاريخ كلِّه، صراعاً وصداماً، ولكنه، من حيث الجوهر والعمق كان تدافعاً، وكان دائماً وبصورة مطّردة، يسير في الاتجاه الصاعد إلى ازدهار الحياة بتراكم العطاء الحضاري في مختلف مجالاته، وإلى الرقيّ بالإنسان الذي استخلفه في الأرض لعمارتها، بينما الصراع يتّجه نحو الإفساد في الأرض.
ونخلص من هذا إلى أن صراع الحضارات ليس حتميةً من حتميات التاريخ، كما تقول النظرية الماركسية، وكما يدعي المنظّرون المعاصرون الذين يرسمون معالم سياسة الهيمنة والغطرسة والقوة لقهر إرادات شعوب العالم.
التفاعل الحضاري هو البديل للصراع :
لقد كان لحيوية الحضارة الإسلامية وقوتها الذاتية الدافعة لها إلى التطور والتقدم والإبداع، الأثرُ القويُّ في نقل روح المدنية إلى العالم الغربي، بقوة دفع التفاعل الحضاري، وهو الأمر الذي يعترف به ويشهد له، معظم الكتاب والمؤرخين والمفكرين الأوروبيين الذين برئوا من الهوى والغرض، وكتبوا بإنصافٍ عن خاصية التفاعل الحضاري في الحضارة الإسلامية. وهذا كرستوفر دوسن، يذهب في كتابه "تكوين أوروبا"، إلى أن الحضارة الإسلامية احتفظت بمركز الصدارة منذ أوائل العصور الوسطى فصاعداً، لا في الشرق فحسب، بل كذلك في غرب أوروبا، إذ نمت الحضارة الغربية في ظلال الحضارة الإسلامية التي هي أكثر منها رقيّاً وقتذاك، وكانت الحضارة الإسلامية العربية ــ لا البيزنطية ــ هي التي ساعدت العالم المسيحي في العصور الوسطى على استرداد نصيبه من التراث اليوناني العلمي والفلسفي(11).
ولعلَّنا لا نغالي إذا أكدنا هنا، على أن الإسلام، وهو دعوة اللَّه إلى الناس كافة، ورسالته ــ سبحانه ــ إلى العالمين، هو الدين الذي يدعو إلى التفاعل الحضاري دعوة صريحة قوية، ويحثّ عليه حثّاً، على اعتبار أن الحوار الذي نادى به الإسلام، هو في طبيعته وجوهره ورسالته، تفاعلٌ حضاريٌّ، كما لا نحتاج أن نقول.
إن قاعدة التسامح التي يقوم عليها الإسلام، فتحت أمام الأمة الإسلامية السبيل إلى الاحتكاك الواسع بالأمم والشعوب، وشجعت الحضارة الإسلامية على التفاعل مع الثقافات والحضارات جميعاً. ونعني بالتسامح الديني ــ تحديداً ــ أن تكون لكل طائفة في المجتمع الإسلامي، الحرية في تأدية شعائر دينها، وأن يكون الجميع أمام قوانين الدولة الإسلامية سواء. وإذا نظرنا إلى الإسلام من حيث مبادئه وتعاليمه الأصلية، نجد أنه هو أرقى الأديان في تحقيق مبدأ التسامح الذي هو القاعدة الأولى للتفاعل الحضاري(12).
إن التفاعل الحضاري يستند في مفهوم الفكر الإسلامي، إلى مبدأ التدافع الحضاري، لا الصراع الحضاري، وهو المبدأ القرآني المحض، الذي نجد له أصلاً في قوله تعالى : { ولو لا دَفْـعُ اللَّه الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض }(13)، ونقف على معنى آخر له في قوله تعالى : { ادفـع بالتي هي أحسن ، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليّ حميم }(14).
فالتفاعل إذاً، في المنظور الإسلامي، هو عملية تدافع لا تنازع، وتحاور لا تناحر. والتفاعل حياة، والتصارع فناء. والتفاعل الحضاري عندنا، حوارٌ دائم ومطّرد، ينشد الخير والحق والعدل والتسامح للإنسانية قاطبة، ولايسعى في الأرض بفساد(15).
والتفاعل الحضاري يقي الإنسانيةَ من (السقوط الحضاري) الذي تنتج عنه (أزمة الحضارة). وهذا هو مأزق الإنسان في العقد الأخير من القرن العشرين وإلى اليوم، ويعتقد كبار فلاسفة التاريخ جميعهم في القرن الماضي، من ازوالد شبنغلر في كتابه "انحطاط الحضارة"، إلى أرنولد توينبي في كتابه (دراسة للتاريخ)، إلى بكريم يوروكين في كتابه (الدينا ميات الاجتماعية والثقافية وأزمة العصر)، أن حضارة الغرب العلمانية الإنسانية السائدة رغم ثرائها المادي وجبروتها العسكري تعاني من آلام مبرّحة، إذ فقدت القوى التي أدّت إلى سيطرة هذه الحضارة قدرتَها على الاستقطاب، وها هي قوى التفكك والاضمحلال تتجاوز قوى التعاضد والتماسك، والمراسي التي ثبّتت السفينة آخذةٌ في التداعي، والقيم التي جمعت الناس معاً تعاني من الاضطراب، ولم تعد العلل مقصورة على قطاع واحد أو عدد قليل من القطاعات، بل أصبح نهر الحياة برمته ملوّثاً(16).
وبالتدافع الحضاري يُنَقَّى نهرُ الحياة والحضارة من التلوّث الذي يفرزه الصراع والصدام وهيمنة الفكر المادي العلماني اللاَّديني على الأفكار والأقوال والأفعال والممارسات وأنماط السلوك ونظم الفكر وأساليب الحياة. ولذلك نقول إن التدافع الحضاري هو البديل للصراع.
صراع الحضارات في المفهوم الإسلامي :
تقوم العلاقات الإنسانية في الرؤية الإسلامية، على أساس التعارف والتعاون على البر والتقوى، من منطلق وحدة الجنس البشري ووحدة الأصل المنبثق عن المشيئة الإلهية. يقول اللَّه تعالى في محكم تنزيله : { ياأيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند اللَّه أتقاكم} (17). والتعارف في المصطلح القرآني يتعدَّى المعنى اللغوي المباشر، إلى معاني أعمق مفهوماً وأوسع دلالة. فلقد خلق الناس وجعلهم شعوباً شتى وقبائل متفرقة يسعون في الأرض من أجل غاية سامية قدرها الخالق سبحانه، هي التعارفُ فيما بينهم، الذي يرتقى إلى مستوى أعلى هو (تبادل المعرفة) أو (تبادل المعارف) بكل ما في المعنيين من دلالات لغوية ومعرفية وإنسانية عميقة. فكلما اتسعت مساحة المعرفة المتبادلة بين الشعوب والأمم، على مختلف المستويات، ضاقت مساحة الخلاف وانزوى الاختلاف وتَرَاجَعَ وفقد القدرة على التأثير السلبي الذي يُلحق أفدح الأضرار بالمجتمعات الإنسانية.
أما التقوى التي هي القاعدة الثانية للعلاقات الإنسانية والتي كُلف الإنسان بها وبالدعوة إليها وبالتعاون عليها، فهي كما يقول الشيخ محمود شلتوت، يرحمه اللَّه : >أما تقوى اللَّه تعالى، فهي ترفع في معناها العام إلى اتقاء الإنسان كل ما يضره في نفسه وفي جنسه، وما يحول بينه وبين المقاصد الشريفة والكمال الممكن في الدنيا والآخرة. والتقوى ليست خاصة بنوع من الطاعات، ولا بشيء من المظاهر، وإنما هي كما قلنا، اتقاء الإنسان كل ما يضره في نفسه وفي جنسه، وما يحول بينه وبين الكمال الممكن. ومن ثمرات التقوى حصول الفرقان ــ ما يفرق به المرء بين الخير والشر والضارّ والنافع في هذه الحياة ــ ، فالعلم الصحيح، والقوّة، والعمل النافع، والخلق الكريم، وما إلى ذلك من آثار التقوى، والتقوى هي الشجرة والفرقان هو الثمرة< (18).
فهذا المفهوم العميق والشامل للتقوى الذي يجمع أطراف الخير ومكارم البر ووجوه الإحسان وفضائل الأعمال، هو الذي يؤكد أهمية التعاون الإنساني على البر والتقوى. يقول تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} (19)، فالتعارف يؤدي إلى التعاون على البر والتقوى وهما جماع الخير والمنافع للإنسانية في كل الأزمنة والأمكنة، بهما تتحقق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، أما الإثم والعدوان، فهما جماع الشرور والأضرار والتشوّهات التي تلحق بالفطرة السويّة، وتُفضي إلى الحروب والنزاعات، وتؤجّج نيران الصراع المدمّر للحضارة الإنسانية.
و(التدافع الحضاري) في المفهوم الإسلامي، هوسنة اللَّه في الكون، لا (الصراع الحضاري أو الصدام الحضاري). وليس يعني ذلك أن الحياة تسير وفق خط بياني صاعد ومطّرد تتحقق فيه المصالح والمنافع للناس كافة في جميع الأحوال وتترقى ذواتهم، وأن الخير والشر لا يتصادمان، وإنما القصد من ذلك أن التدافع يُبطل الصراع، وأن الخير يغلب على الشر، وأن الحضارات تَتَواصَلُ وتَتَلاقَحُ وتَتَدافَعُ ولا تَتَصَارَعُ، وأن {اللَّه متمّ نوره ولو كره الكافرون}(20)، ونورُ اللَّه في هذا السياق القرآني، هو المشيئة الإلهية، والإيمان بالله ونصرة المؤمنين، وهو الخير والعدل والفضيلة ومكارم الأخلاق والسلام في النفس وفي الأرض، وتلك هي مقوّمات الحضارة التي تخدم الإنسان، مصداقاً لقوله تعالى {واللَّه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون)(21)، وأمرُ اللَّه في هذا السياق القرآني أيضاً، هو مشيئته تعالى الغالبة، وهو الحق والعدل اللذان هما قاعدتا الحضارة التي يسعد الإنسان في كنفها ويُبدع ويعمّر الأرض ويصلح ولا يفسد.
وفي المفهوم الإسلامي، فإن الصراع حالةٌ عارضةٌ، وهو شذوذٌ عن القاعدة، وليس طبيعةً من طبائع الحضارات، لأنه يَتَنافَى والفطرة الإنسانية، وهو نقيضُ التفاعل الحضاري الذي قامت الحضارة الإسلامية على أساسه، وهو إلى ذلك كلِّه، البديلُ الموضوعيُّ للفوضى التي تسود الأوساط الفكرية والسياسية في العالم اليوم، من جرّاء شيوع مفاهيم مغلوطة ورؤى مشوّشة وتحليلات مغرضة تدفع بحركة الفكر العالمي وبالسياسة الدولية على وجه العموم، نحو مناطق مجهولةٍ محفوفةٍ بالمخاطر التي تتهدَّد الإنسانية في حاضرها وفي مستقبلها.
إن الترويج لفكرة صراع الحضارات أو صدامها، يخدم أغراض فئة من البشر تسعى إلى إحكام سيطرتها على مقاليد الأمور في العالم أجمع، وهي أغراض ليست بريئة، وليست لها صلة بالأهداف الإنسانية النبيلة التي تنبع من المبادئ والقيم الحضارية البانية للإنسان وللعمران وللحضارة.
خلاصة :
إنَّ الرؤية الإسلامية إلى قضية العلاقات بين شعوب العالم، تتسم بالاعتدال وبالوَسَطية وبالشمول وبالعمق، والمفهوم الإسلامي للحوار بين الحضارات يصطبغ بصبغة التسامح والتسامي وينطلق من عقيدة التوحيد، ومن الإيمان بوحدة الأصل الإنساني.
وصراع الحضارات في الرؤية الإسلامية حالةٌ عارضةٌ في مسيرة التاريخ، وقُوى الخير وتياراته تغالب قوى الشر وتنتصر عليها في نهاية المطاف، والصراع دعوة إلى الشر ومصدرٌ له، بينما الحوار بين الحضارات دعوة إلى الخير ومصدر للسلم والتعايش في جميع الأحوال.
ويَتَبَدَّى لنا الصراع في المفهوم الإسلامي نقيضاً للحوار وليس بديلاً عنه، والنقيضُ يُتجاوز لأنه خروج عن الأصل في حياة المجتمعات الإنسانية، حتى وإن بَدَا الصراع فارضاً وجوده، فإن مصيره إلى زوال مهما طال به العهد، في حين أن الحوار أصلٌ ثابتٌ لأنه يتفق والطبائع الإنسانية.
والأمة الإسلامية تمتلك شروط النهوض الحضاري لاستئناف دورها في بناء الحضارة المعاصرة والإسهام في إنقاذ البشرية مما يتهددها اليوم من خطر التفكك والانهيار، وهي مؤهلةٌ أكثر من غيرها من الأمم، لتؤدي دوراً بالغ التميّز في المعترك الحضاري والفكري العالمي، من خلال رؤيتها المستنيرة ومفهومها العملي ورسالتها الحضارية المتواصلة المستمرة ممتدة العطاء والإشعاع. وهذا يُوجب عليها تصحيح أوضاعها الداخلية، ونبذ خلافاتها الهامشية، وتفعيل قدراتها الكبيرة في إطار التضامن الإسلامي وبروح الأخوة الإسلامية.
والعالم يقف اليوم على مفترق طرق ؛ تتقاذفه أمواج العولمة العاتية، وتتجاذبه فكرة صراع الحضارات التي أصبحت مبعثَ ذعرٍ على الصعيد العالمي، ومصدر تهديد للشعوب والأمم والحكومات والدول، لدفعها إلى الرضوخ لإرادة القوة الدولية الوحيدة التي فقدت المقوّمات الحضارية للقيادة الإنسانية الهادفة إلى الخير لشعبها ولشعوب العالم قاطبة.
الهوامش :
1) لسان العرب، لابن منظور، المجلد 3، صفحة 430، طبعة يوسف الخياط، دار الجيل ـ دار لسان العرب، بيروت 1988 .
(2) الحاقة، 7.
(3) الموسوعة السياسية، صفحة 344، إشراف د. عبد الوهاب الكيالي وكامل الزهيري، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، بيروت 1974.
(4) فرانكلين ـ ل ـ باومر، الفكر الأوروبي الحديث : الاتصال والتغيّر في الأفكار من 1600 إلى 1950، الجزء الثالث، صفحة 98، ترجمة د. أحمد حمدي محمود، الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 1989، سلسلة الألف كتاب (الثاني).
(5) د. محمد خاتمي (رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية)، مدينة السياسة : فصول من تطور الفكر السياسي في الغرب، ص : 184-183، دار الجديد، الطبعة الأولى، بيروت 2000.
(6) د. عبد العزيز بن عثمان التويجري، خصائص الحضارة الإسلامية وآفاق المستقبل، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ــ إيسيسكو ــ الرباط، 2002.
(7) البقرة، 251.
(8) الحج، 40.
(9) فصلت، 34.
(10) المؤمنون، 96.
(11) تكوين أوروبا، كريستوفر دوسن، ترجمة ومراجعة د. سعيد عبد الفتاح عاشور، ود. محمد مصطفى زيادة، مشروع الألف كتاب : 642، القاهرة 1967، ص 203-202.
(12) د. أحمد أمين، يوم الإسلام، دار الكتاب العربي، بيروت 1952، ص 180-181.
(13) سورة البقرة، الآية 251.
(14) سورة فصلت، الآية 34.
(15) د. عبد العزيز بن عثمان التويجري، الحوار من أجل التعايش، ص 23 - 22، دار الشروق، القاهرة، 1998.
(16) د. خورشيد أحمد، الإنسان ومستقبل الحضارة من منظور إسلامي، ضمن (الإنسان ومستقبل الحضارة : وجهة نظر إسلامية)، ص : 615، مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي، عمان، الأردن، 1994.
(17) الحجرات ، 13.
(18) الشيخ محمود شلتوت، تفسير القرآن الكريم، ص : 571، دار القلم، القاهرة، بدون تاريخ.
(19) المائدة ، 2
(20) الصف ، 8
(21) يوسف ،
اعداد وتقديم : موقع http://www.isesco.org.ma/pub/ARABIC/Civ/link.htm
|