نميـــنــ صـــــــــــادقة ـــــيـات

Link أهلا جنونياتي موريتانيا ماتريكس أشعـــاري السياسية المتنــوعة التعليمية الثقافية إسلامية نقشات كمبيوتر دردشة معلومات عنا شعــر إرســل إلى النمين
الثقــــافية
تهتم الثقافية بكل قضايا الثقافة الإخبارية منها.. والمتنوعة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

في الحداثة وما بعدها: مصائر الحداثة

(الملخص)
يعود آلان تورين ليضع حدودا بين الحداثة ومابعدها، ويحدد فترة الانفجار الكلي للحداثة، مؤكدا أن موضوع ما بعد الحداثة الذي هو أي شيء موضوع ما بعد التاريخانية، ثم يمضي في الطريق الذي يقود من الفكرة الكلاسيكية عن الحداثة إلى أزمتها وتفككها وإلى تلاشيها في نهاية المطاف، إذ حلت فيها فكرة السوق على فكرة المجتمع، ومع ذلك فهي لا تولي أهمية للسلوكات التي تفلت من هذه النزعة التقليصية، ليس هناك من مجتمع يكون سوقاً فقط، إلا في البلدان التي يتجاور فيها السوق مع الجيتو، وحيث التجديد والحركة يحيطان بجيوب الاستبعاد. مجتمعات متفجرة تقدم الولايات المتحدة منذ زمن بعيد نموذجها المبهر والمقلق، وتقترب منها، بسرعة كبيرة، الدول الأوروبية،على الرغم من تصريحاتها العلنية حول الاندماج الجمهوري والأمن الاجتماعي المثالي، والنضال اللازم ضد اللامساواة. مجتمع التغير هذا هو مجتمع العطالة والسكون أيضا.

يقف آلان تورين طويلا عند السوق والجيتو في عصر الحداثة ليأتي أخيرا عند نزعات مابعد الحداثة.ويؤكد مع جياني فاتيمو إلى تغيرين باعتبارهما أساسيين في تحديد ما بعد الحداثة:

نهاية الهيمنة الأوربية على مجمل العالم
وتطور وسائل الإعلام التي أصغت لصوت الثقافات المحلية أو الأقليات.

ويؤكد أن مابعد الحداثة هي أكثر بكثير من مجرد صيغة فكرية، فهي تستكمل مباشرة النقد الهدام للنموذج المعقلن الذى نادى به ماركس ونيتشه وفرويد، ثم يأتي إلى تحديد أربعة تيارات فكرية مابعد حداثية كلها تأتي على نقيض الإيدلوجيات، فآلان تورين يرى بأن مابعد الحداثة تأتي على النقيض من الإنسان، ويقف منها موقفاً سلبياً. ونهاية القول إن آلان تورين يتحدث عن التحديثية وهو مصطلح يرتبط بالصناعة والإنتاج والمستهلك ويقيم مشروعه عليه.
المرجع: في الحداثة ومابعدهامصائر الحداثة- لآلان تورين. ترجمة قاسم مقداد ومحمود موعد - الكرمل- خريف1998- عدد57- ص75-94.
  
لم تهيمن فكرة الحداثة على الفكر إلا قبل نشوء المجتمع الصناعي. فالصراع الماضي، والنظام القديم والمعتقدات الدينيّة، والثقة المطلقة بالعقل، كل هذا كان يمنح صورة المجتمع الحديث قوة وتماسكاً سرعان ما تواريا حينما حلّت التجربة محل الأمل، وأصبح المجتمع الجديد واقعاّ وليس نقيضاً فحسب للمجتمع الذي كنّا نريد تدميره أو تجاوزه. وتاريخ الحداثة هو تاريخ انبثاق أطراف اجتماعيين وثقافيين يبتعدون شيئاً عن الإيمان بالحداثة باعتبارها تعريفاً ملموساً للخير. وبتأثير من نيتشه وفرويد، كان المثقفون أول من رفض الحداثة. والتيار الأكثر نفوذاً في الفكر الحديث، من دوركهايمر وأصدقائه من مدرسة فرانكفورت إلى ميشيل فوكو، طالما أوغل في نقد الحداثة، الذي أنهى إلى عزل المثقفين عزلا تاما في مجتمع كانوا يصفونه باحتقار بأنه مجتمع الجماهير.

وإلى جانبهم، وبمعنى قريب من تلك الانتقادات الفكرية، أحيانا، وبعيد عنها غالبا، فإن الأمم وميلها إلى الاستقلال، وإلى تاريخها وهويّاتها، قد اكتسبت أهمية متعاظمة، لدرجة أن القرن العشرين سيصبح قرن الأمم مثلما كان القرن التاسع عشر قرن الطبقات، في البلدان المحدثة، على الأقل.

وجاءت فيما بعد الشركات الكبرى في الولايات المتحدة أولا ثم في اليابان وأوروبا، لتصبح بمثابة أطراف تجاوزت قوتها في بعض الأحيان، قوة الدولة الوطنية. وأصبحت مراكز قرار أكثر من كونها مجرد فعالية. وأخيرا انفجر الاستهلاك الجماهيري في الولايات المتحدة قبل أن ينفجر في أوروبا ومن ثم في اليابان بشكل متأخر، وتبع هذا الاتصالات الجماهيرية التي أدخلت في الحياة العامة عالم الرغبات والخيال، وببساطة أكثر فقد أدخلت عالم الجسد –الذي سبق للعقلانية أن رفضته– أكان هذا الجسد مقموعا أم محبوسا.

لكن بقدر ما تنسج العقلانية الأداتية شبكة علاقاتها من تلك القوى الاجتماعية والثقافية، فإن الحداثة تثبت مواقعها، وهنا يمكننا الحديث عن مجتمع صناعي، بل عن المجتمع الصناعي الجديد، أو ما وراء المجتمع الصناعي الجديد. وتشعر المجتمعات الأكثر حداثة بأن الانفجار يتهددها، لكن أهمية التقنيات في سير عملها تسمح لها بالتحرك عن طريق المزاوجة بين التأهيل التقني والمحافظة على نوع من إجراءات التقشف. وتدافع المدرسة بقوة عن هذه المجتمعات، هذه المدرسة التي عدت نفسها، وخاصة في فرنسا، المدافعة عن عقلانية عصر الأنوار حتى طفحت بدورها ما كانت البرجوازيات، التي أقصت الفترة الثورية، قد ألغته خلال ممارستها الطويلة للسلطة.

متى أصبح انفجار الحداثة كاملا وليس جزئياً؟

لقد حدث هذا تماما حينما انفصلت العقلانية الأداتية، انفصالا تاما عن عالم الأطراف الاجتماعيين والثقافيين. إن غريزة الحب (إيروس) والاستهلاك، والشركات الكبرى، والأمم تتكون عندئذ بشكل حر، كالجبال الجليدية حينما ينقطع الطوف الجليدي، فتبتعد عن بعضها بعضا وتتصادم في عنف وتلتحم أيضا أحيانا مؤقتا مع بعضها بعضا. وبشكل ملموس أكثر، فنحن نخرج من الحداثة حينما نكف عن تعريف السلوك، أو شكل التنظيم الاجتماعي من خلال موْضِعِهِ على محور التقليد– الحداثة أو محور التخلف – التنمية، كما نسمي عادة البلدان الأقل تحديثاً. إننا نعيش شيئاً فشيئا، بشكل واع، على الأقل منذ عام 1968، مصير الحداثة هذا. ونتوقف عن تفسير الوقائع الاجتماعية من خلال موضعها في تاريخ قد يكون له معنى أو اتجاه.

إن الفكر الاجتماعي العفوي والإيدلوجيات وقلة الموارد تلقي بأية مرجعية على كتف التاريخ. ما يعنيه بشكل خاص موضوع ما الحداثة الذي هو أي شيء موضوع ما بعد التاريخانية. وإزاء أزمة الفكرة الكلاسيكية، حول الحداثة والإيديولوحيا الحداثية، هناك جوابان ممكنان:

الأول: هو جواب ما بعد – الحداثيين الذي يؤكد أن تفككها حتمي.

أما الثاني فيقول: إنه يمكننا وعلينا الدفاع عن الحداثة، وحتى توسيعها.. وهذا رأي هابرماس، ورأيي أيضا.

لكن قبل المضيّ في هذا التوجه ينبغي أن نذهب حتى نهاية الطريق الذي يقود من الفكرة الكلاسيكية عن الحداثة إلى أزمتها وتفككها وإلى تلاشيها في نهاية المطاف.
إن أزمة الحداثة تبلغ مداها حينما يبتعد المجتمع عن أي مبدأ من مبادىء العقلنة سواء عمل كما يعمل السوق أو أنه لا يعرف نفسه إلا عن طريق الهوية التاريخية، وحينما لا يبقى للأطراف إلا المراجع الثقافية المشتركة أو الفردية. فهل ينبغي هنا. أن نذهب إلى الحديث عن أزمة الحداثة؟. المنظومة وبين الأطراف؟ أو ليس تاريخها هو تاريخ تدمير كلي لأي مبدأ من مبادىء الوحدة بينهما؟ بعد الانقطاع عن المحيط المادي أو المعنوي المقدس، تعاقب تدمير الرؤية العقلانية للعالم وتلاشي صورة المجتمع بصفته المكان الذي يجري فيه الاتصال، بين المؤسسات والأطراف المندمجين اجتماعيا عن طريق الأسرة والمدرسة. فمن الثنائية المسيحية إلى النزعة الفردية البورجوازية، ومن رومانتيكية ما بعد الثورية إلى ثقافات معينة للشباب تتعارض تماما مع ثقافة الشركات الكبرى، أو لم ندخل بهذا إلى الفصل الكبير الذي تنجز فيه الحداثة وتلغي نفسها؟ لقد تعجلنا طويلا اختفاء العالم الموحد، حيث كان الإنسان يحتل مكانه في طبيعة خلقها الله... لكن ما يرعبنا اليوم، ليس انغلاق عالم بالغ الثبات ذي قوانين قهرية بل، على العكس، فوضى مجتمع يصطدم فيه بعنف كبير محيط التقنيات والتنظيمات بمحيط الرغبات والهويات. إن مختلف تيارات ما بعد الحداثية توضح الجوانب المختلفة لهذا الانفجار، ولكن ينبغي وصفه في واقعه التاريخي، قبل البحث عن انعكاساته في أفكار هي نفسها أيضا متفجّرة كتفجّر العالم الذي تفسّره.

لا ينبغي الانطلاق هنا من مفاهيم الإنسان، بل على العكس من أفكار تتعلق بالأطراف الاقتصادية وواقع الأمر أن سوسيولوجيا التنظيمات هي التي لعبت، والحالة هذه، دور المثقف المركزي . والسوسيولوجيا الوظيفية أو المؤسساتية كانت قد قدمت التنظيمات لأهداف اقتصادية أو إدارية أو اجتماعية، بصفتها محركات للعقلانية الأداتية القادرة على خلق ترابط بين قواعد العمل والسلوكيات الفردية أو الجماعية. لكن سوسيولوجيا التنظيمات مزقت هذا الصور. أحيانا من خلال، النقد الاجتماعي، وذلك حينما رسمت لوحة ليست زاهية لإنسان المنظمة كما فعل و . هـ . ويت .Whyte, W.H، وفي أغلب الأحيان، حينما بيّنت، بشكل أكثر خصوبة، أن قواعد التنظيم، وحتى سير عمله الملحوظ، ليست سوى تسويات هشّة تتغيّر بين عدد كبير من الضغوط والقسر، وأنّ التنظيم الفعال ليس هو الواضح، والمتبين والشفاف، بل الذي يعرف يدير التعقيد والصراعات والتغيّرات. وهنا تحل فكرة الاستراتيجّية محل فكرة إدارة المشروع. وقد قام بيتر دروكر P. DRUCKER بصياغة هذا الانقلاب بشكل جليّ. وعلى صعيد نظري أكبر، فإنه كتب هربرت سيمون وجيمس مارتش في الولايات المتحدة، وكذلك كتب ميشيل كروزييه في فرنسا، لم تبيّن أزمة النزعة العقلانية الأداتية، على العكس، أظهرت تجددها الممكن، شريطة انقطاعها عن أية مرجعيّة تتعلق بفكرة المنظوم الاجتماعيّة أو مرجعيّة المجتمع. وترتبط هذه العقلانية كلياً بموضوع التغيّر الاجتماعي. وبهذا تكف الشركة عن أن تكون أساسيّة للمجتمع الصناعي الحديث، وتصبح المناضل الذي يخوض، باسم المجتمع الوطني، أو باسمه نفسه، في الأسواق العالميّة، معركة لتحويل التكنولوجيا الجديدة إلى عملية إنتاج، وللتلاؤم مع محيط يتمتع بتغيّرات دائمة قلما نتوقعها. لقد تحدث سيمون عن عقلانية محدودة وتحدث كروزييه عن رقابة اللايقين. وتقدم هذه التحليلات الممتازة الشركة بصفتها استراتيجي ( عارف بالشؤون الاستراتيجية)، طليق الأفق في تنظيم يوصف بالتنظيم العلمي للعمل، لكنه استراتيجي منفتح على العالم الخارجي مثلما هو منفتح على القضايا الإنسانية الداخلية لتنظيم معقد. وبعد عبادة التنظيم القوي والبسيط، تعاقب مديح التنظيم الضعيف والمرن والمعقد. هذا المفهوم أغنى، الوقت نفسه، من التحديثية الوظيفية التي يحل محلها، وأكثر تواضعهاً، لأنه يقبل بالتنازل عن المبدأ الرئيسي لعلم الاجتماعي الكلاسيكي وترابط القواعد المؤسساتيّة والسلوكات. ويمكن للاستراتيجيّة أن تستند إلى الوفاء على الطريقة اليابانية، إزاء شركات تقوم على علاقات سلطويّة وتشاركية في الوقت نفسه: كما يمكنها الاكتفاء أيضا بإدخال قيود السوق ومحرضاته إلى الشركات وهو النموذج المسّمى بـ Silicon Valle . كما يمكن أيضا تصور استراتيجية للشركات مختلفة جدا، استراتيجية تعرف المواءمة بين اندماج الشركة بتشجيع مشاريع مهنية شخصية. وأخيرا يمكن للشركة أن تبحث عن أوسع مشاركة لأعضائها في سير عملها وفي ملاءمتها للسوق. ومفاهيم الشركة هذه، تتجه، بشكل واضح، إلى الخارج، رغم اهتمامها الدائم بتعبئة مصادرها البشرية والتقنيّة
صور المجتمع الليبرالي هذه كثيرا ما تغري أولئك الذين خيبّ آمالهم العمل السياسي الأكثر إرادوية والأكثر ثورية. وهذا ما يفسر النشوة التي تنتاب كثيرا من اليساريين القدامي وهم يلقون بأنفسهم في ليبرالية متطرفة وهم يمتدحون الفراغ أو الزائل، وتحرر الحياة الخاصة ونهاية التحديدات والقيود التي كانت تفرضها النماذح الإدارية للمحتمع. وعلى هذا تطور ما دعاه الأميركيون بالليبرالية الفوضوية، لكن كيف ننسى أن هذا المجتمع الذي تقلص إلى مجرد أداتيته، وإلى استراتيحية قادته وتغيّره، هو أيضا مجتمع متوحش حيث تقل شيئا فشيئا حظوظ المهملين غير المرغوب فيهم في الدخول إلى السباق، وحيث يتنامى التفاوت الاجتماعي مع أن الطبقة الوسطى لا تكف عن التزايد، ولا يبعد عنها سوى أتباع الثقافات الأقلياتية،التي تربطها بالثقافة الغالبية علاقات إزدواجية اللغة اللامتكافئة؟ إن تعارض هذه الأقليات مع غالبية دربها سادة الإنتاج والاستهلاك والاتصالات، يعطي معنى جديدا للتعارض بين اليمين واليسار. فاليمين لم يعد يدافع عن علّية القوم، إنما بالأحرى عن الناس الذين يقفون في الأمام ويثق باستراتيجيين جيدين للتخفيف من التكاليف الاجتماعية للتغيير. بينما يدافع اليسار عن المهشمين المبعدين أكثر مما يدافع عن المسحوقين، صائرا أكثر حساسية إزاء اللامساواة المتعاظمة بين الشمال والجنوب، والتهديدات التي تحاصر الكوكب الأرضي، وإزاء استبعاد فئات اجتماعية وثقافية عديدة. ولاتزال الروح اليسارية تصطدم بصعوبات جمة لأنها لم تعد تتحدث باسم الأغلبية، إنما باسم الأقليات. ويعمل الحزب الديمقراطي الأمريكي جاهدا على التخلص من هذا التحديد التقليدي الذي يحكم عليه بالهزيمة.

هذه الليبرالية المتطرفة (القصوى) تشكل الرأس المتقدم لنزعة التحديث، لكنها تتجاوزها وتشكل نمط المجتمع الاقتصادي الذي تترعرع فيه ثقافة ما بعد الحداثة. إنها الصيغة المهيمنة للإدارة في مجتمع عند نهاية هذا القرن.

حينما يبدأ المجتمع بالتشابه شيئا فشيئا مع السوق، حيث الرهانات الإيدولوجية وحتى السياسية تبدو وكأنها اختفت، فلن يتبقى إلا الصراع من أجل المال والبحث عن الهوية. وقد حلت محل المشاكل الاجتماعية مشاكل غير اجتماعية، مشاكل الفرد ومشاكل الكوكب، التي تطغى على المجال الاجتماعي والسياسي من الأسفل والأعلى وتفرغه من كل مضمونه تقريبا. وهو مجتمع لا يسعى إلى أن يتم التفكير فيه، لكنه يحذر من الأفكار الكبرى والخطابات الطنانة التي تعكر نزعته الذرائعية أو أحلامه. والقوة الكبرى لهذه الرؤية الليبرالية هي أنها تبدو أضمن حماية ضد كافة محاولات تسلم السطلة من النخب الحاكمة، ولا سيما تلك التي تزعم التحدث باسم الإنسان والمجتمع.أولا يبدو المال أقل شراسة من السادة، لأنه أقل ذاتية، بينما الرجال أصحاب الاعتقاد الراسخ، الحاملون لمشروع عظيم يسعون دائما إلى فرض عقيدتهم وسلطتهم؟
ن النقد الذى تستدعيه هذه الرؤية هي أنها ضحية أداتيتها الخاصة بها. فهي تجعل من المجتمع مجرد، وسوق مد لا ينتهي من التغيرات، لكنها لا تولي أهمية للسلوكات التي تفلت من هذه النزع التقليصية. وهي لا تفسر البحث الدفاعي عن الهوية ولا إدارة التوازن. وهي لا تفهم الميل الوطني ولا ثقافة المستبعدين،وباختصار، إنها إيديولوجية النخب التي تقود التغيير، وتشعر بكفاية نفسها في اللعبة، لكي تفضل الحركة على الراحة، والهجوم على الدفاع، ولا شخصية منظومات الاتصال على الذاتية. وهي نخب علينا ألا نستهين بقدرتها على جر الأغلبيات الصامتة وراءها.

إن النزعة الليبرالية لا ترتبط إلا بوجه واحد من وجوه الحداثة المتفجرة، حداثة العمل والتغيير، المنفصلة عن الوجه الآخر، وهي حداثة الهوية المنبتة عن كل فعل اجتماعي، وعن ذاتية الجنسيات الخانقة، والجيتوات والعصابات العدوانية، والحركات التي تكتب على الحيطان أو فوق عربات الميترو هوية لا يمكن فك رموزها،هوية مغفلة فعلا.

ليس هناك من مجتمع يكون سوقا فقط، إلا في البلدان التي يتجاور فيها السوق مع الجيتو، وحيث التجديد والحركة يحيطان بجيوب الاستبعاد. مجتمعات متفجرة تقدم الولايات المتحدة منذ زمن بعيد نموذجها المبهر والمقلق، وتقترب منها، بسرعة كبيرة، الدول الأوروبية، على الرغم من تصريحاتها العلنية حول الاندماج الجمهوري والأمن الاجتماعي المثالي والنضال اللازم ضد اللامساواة.

لكنه نضال يتخذ أشكالا أكثر دراماتيكية حيث لا توجد الثورة الكبرى التي تسمح للفقراء بالعيش وأحيانا بالخروج من الجيتو. وتبدو البلدان المتخلفة، وحتى البلدان ذات الموقع المتوسط كغالبية بلدان أمريكا اللاتينية، مسوقة نحو ثنائية سريعة تضاعف نسبة الفقراء وتبعدهم شيئا فشيئا عن الفئات التي تسهم في المنظومة الاقتصادية العالمية. فهل يمكننا التحدث عن مثل هذه المجتمعات إلا بعبارات الطب الباطني الاجتماعي، نظرا لأن ما يميزها هو ضعف قدرتها المتهافتة في التأثير على نفسها، لدرجة أن الأمر لم يعد يتعلق في الواقع بمنظومات اجتماعية، إنما بمجتمعات منقسمة على نفسها، حيث يعيش الفقراء في عالم الأغنياء، ويهدم تعايش الجماعات البشرية المنغلقة، ومناطق الانفتاح على الاقتصاد العالمي أية إمكانية تدخل سياسي أو احتجاج اجتماعي؟
لا يمكننا وضع رؤية المجتمع المتحرك في مقابل النموذج العقلاني لبدايات العصر الحديث. هذا العصر الذى كان يشكل رؤية شمولية حتى في الوقت الذى كانت فيه أزمة الحداثة تسعى إلى تفكيكها.وعلى العكس، فإن هذه الرؤية الليبرالية لاتصف إلا جزءا من المجتمع، كالدليل الذى لا أاخذك إلا لزيادة جزء من المدينة: أي الأحياء الجميلة وإذا ما عكسنا التعابير، فإن النقد هذا نفسه ينطبق ضد رؤية الحياة الاجتماعية للجيتوات أو المجموعات المستبعدة.

إن هؤلاء المبعدين عن الحركة المستمرة للتجديدات وللقرار لم يعودوا يستندون الى ثقافة طبقية، أو وسط عمالي أو شعبي. وهم لم يعودوا يتحددون بالقياس إلى ما يفعلون، إنما بالقياس إلى ما لا يفعلون: أي بالقياس إلى البطالة والهامشية. مجتمع التغير هذا هو مجتمع العطالة والسكون أيضا.

وهؤلاء المستبعدين تفترسهم أحيانا الفوضوية وأحيانا أخرى ينجرون إلى الجنوح، وشيئا فشيئا تراهم مندمجين في تجمعات جوارية أو عرقية. وهذه الحالة نراها منذ زمن بعيد في الولايات المتحدة وبريطانيا. فمن لم يعد يتحدد بنشاطه فإنه يبني لنفسه هوية،أو يعيد بناءها، انطلاقا من أصوله.

هذه الظاهرة تكتسي أهمية أكبر حينما تنظر إليها على صعيد العالم. لكن لنحدد حديثنا هنا عن المجتمعات الصناعية التي أصبحت ما بعد حداثية. وهي مجتمعات ديناميكية وليبرالية لأنها انطلقت في تغييرات تبدل بشكل دائم، صيغ الحياة الاجتماع والحداثة كافة، وهي أيضا مجتمعات تجمعات بشرية وجيتوات، وذلك حينما يصبح الطرف الاجتماعي مجرد طرف، ويجد العاطل عن العمل والمهاجر وطالب الثانوية القلق على مستقبله أنفسهم منفصلين كليا عن المنظومة والأطراف، إن موضوعية السوق والبحث الذاتي عن الهوية، التي لم تعد هوية يسقط أرضا ويترك السباق منهكااجتماعية– مهنية، هو الفلاح أو العامل، لا يلتقيان. هذه الثنائية ستضرب في الأعماق أكثر مما يضرب الاقتصاد ذو السرعتين الذى أدين غالبا في البلدان الصناعية كما أدين في بلدان العالم الثالث .

في أوروبا المصنعة عشنا خلال بضع سنوات نهاية الحركة العمالية، التي إما فسدت لمشاركتها مع النزعة الشمولية الشيوعية، وإما أنها دخلت في منظومة القرارات الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي تقلصت فلم تعد أكثر من شريك اجتماعي، وهو الأمر الذى منحها دورا هاما في المنظومة السياسية، لكن ليس في النقاش المركزي المتعلق بتوجهات المجتمع. فإذا أصبحت الحياة الاجتماعية سباقا، فإننا نرى بعضا يكافح ليفوز في السباق وكثيرين يجاهدون ليبقوا بين المتسابقين، وقسما يعبر عن خوفه من أن يسبق أو يهمل، وأخيرا هناك من .

في أوروبا المصنعة عشنا خلال بضع سنوات نهاية الحركة العمالية، التي إما فسدت لمشاركتها مع النزعة الشمولية الشيوعية، وإما أنها دخلت في منظومة القرارات الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي تقلصت فلم تعد أكثر من شريك اجتماعي، وهو الأمر الذى منحها دورا هاما في المنظومة السياسية، لكن ليس في النقاش المركزي المتعلق بتوجهات المجتمع. فإذا أصبحت الحياة الاجتماعية سباقا، فإننا نرى بعضا يكافح ليفوز في السباق وكثيرين يجاهدون ليبقوا بين المتسابقين، وقسما يعبر عن خوفه من أن يسبق أو يهمل، وأخيرا هناك من يسقط أرضا ويترك السباق منهكا.

لقد انتقلنا من الصراعات الاجتماعية إلى الأمل أو اليأس المقرون بالتحولات المتسارعة، ومن مشاكل بنية اجتماعية معينة إلى مشاكل صيغة التغيير. إن حركات الشباب، كتلك التي شهدتها فرنسا خلال عام 1990 تمثل خير تمثيل هذا المنظور الاجتماعي الجديد. فإذا تظاهر طلبة المدارس الثانوية لا سيما طلبة الضواحي،المنحدرين غالبا من وسط لم يبلغ الجيل السابق فيه المستوى التعليمي نفسه، لا سيما في وسط المهاجرين، إذا تظاهر هؤلاء الطلبة فذلك لخشيتهم من التأخر عن الدخول في الصف المتوسط الواسع للمستهلكين المدينيين. وإلى جانبهم هناك شبان يعيشون في أحياء جديدة في محيط مدينة ليون أو مدينة باريس، تسببوا بأحداث خطيرة، حيث نهبوا المحال التجارية، أو قاموا بحرق السيارات، لاسيما عندما يؤدي تدخل رجال الشرطة الشرس إلى موت أحدهم. فهؤلاء قد فقدوا الأمل في الاندماج الاجتماعي الذى حظي به طلاب الثانوي، لكن السُّعار الذى يحركهم يعبر عن ذلك الاندماج الاجتماعي المستحيل أكثر من كونه المرفوض، غالبا. لكن أيًّا من ردّي الفعل هذين لا يقدم نقطة انطلاق لقيام حركة اجتماعية جديدة، مثلما لم يكن ما يسمى، أبان القرن التاسع عشر، بعمل الطبقات الخطيرة، يشكل مهدا للحركة العمالية. هذه الطبقات تدل على أزمنة منظومة تعمل على الإبعاد عن العمل الجماعي أكثر من تشجيعها على الاحتجاج. كما نشهد شيئا فشيئا في أوروبا، كما حدث في الولايات المتحدة منذ أمد بعيد، إن هذا الاستبعاد لعالم الإنتاج والاستهلاك يفضل العرقية، أي وعي الهوية العرقية.

إن من لم يعد بالإمكان تحديدهم من خلال العمل، لأنهم عاطلون عن العمل، إنما يتحددون بما هم عليه، وبالتالي ، فإن أكثرهم يتحدد من خلال انتمائه العرقي. وهذه الثقافات المضادة التي تتجسد في أشرطة (رسوم، أو غيرها) وأيضا في تعبيرات موسيقية ذات مرجعية عرقية قوية تتحول إلى نقاط إسناد لسكان مهمشين، لكنهم يحتفظون في داخلهم بالرغبة في الدخول إلى عالم رفضهم. إن ما نراه في بعض أحياء نيويورك ولندن، وعلى نطاق أضيق في باريس، لايختلف عن الانقطاع الذى يتعزز كل سنة بشكل كبير بين الأمم الغنية، والأمم الفقيرة. لقد ولى الزمن الذى كان فيه الفرد يطلق اسم العالم الثالث على تلك الأمم الكادحة، متمنيا له مستقبل الدولة الثالثة، التي قلبت نظام العهد القديم في فرنسا.

وإذا كنا نتحدث اليوم عن العالم الرابع فذلك للإشارة إلى أن الإحباط قد حل محل الأمل والهامشية محل أمل الدخول في الانتاج والاستهلاك الحديثين. وهو الأمر الذى يؤدي إلى تفكك العمل الجماعي، الذى لم يعد قادرا على الاحتجاج ضد التملك الاجتماعي لوسائل الانتاج، و الذى تمزق بين الانكفاء على هوية تزداد أسطورية وبين الانبهار بأنوار الاستهلاك.
4- لكن إذا فصلت الأعمال الثقافية عن المجموع التاريخي الذي ظهرت فيه فلا يمكن تحديد قيمتها إلا عن طريق السوق.

ومنن هنا الأهمية الجديدة التي يكتسبها سوق الفن، في حين ظلت الأعمال [الأديبة والفنية] لفترة طويلة تختار إما من الأمراء أو من الهواة الذين يمثلون بعض طلبات الأرستقراطية أو البورجوازية. وهو الأمر الذي يقودنا إلى تحليل مجتمعنا الليبرالي، حيث ينتصر جزءان من أجزاء الحداثة المتشظية، وهما الشركة والاستهلاك على الجزأين الآخرين وهما الإيروس والأمة، وبالتالي انتصار الحركة والتغير على الوجود.

وهكذا تدفع حركة ما بعد- الحداثة إلى أقصى تدمير للتمثيل الحداثي للعالم. فهي تنكر الاختلاف الوظيفي بين مجالات الحياة الاجتماعية- فن، اقتصاد، سياسة- وبين مكملاتها، وهي استخدام العقل الأداتي من كل منهما. وهي ترفض بذلك الفصل بين الثقافة العليا، السياسية والاجتماعية مثلما ترفض الثقافة الجمالية التي ترجع إلى كفلاء ما فوق اجتماعيين ينتمون إلى النظام الاجتماعي-العقل، التاريخ، تحديث الطبقة العاملة أو تحريرها-وثقافة الجماهير. ومن هنا شعارها المناهض لعلم الجمال الذي شدد عليه فريدريك جيمسون بقوة (وخاصة في الكتاب الذي أشرف عليه هال فوستر: The Anti- Aestetic). والمرفوض أيضا بشكل أعمق، هو تكوين صور ما عن العالم، هذا إذا استعدنا الكلمة التي يعدها هيدغر أكثر كلمات الحداثة دلالة. إن الفكر ما بعد الحداثي لم يعد يقبل وضع الإنسان أمام العالم، وهو ينظر إليه، ويعيد إنتاجه على شكل صور، لأن هذا الفكر يضع الإنسان في العالم ، لا تفصله عنه أية مسافة، أو أنه بالأحرى يستعيض عن هذه المسافة، التي تفترض الوجود المسبق للشيء، بتكوين شبكة من الاتصالات ، وإيجاد لغة بين الرسام والمهندس المعماري أو الكاتب من جهة وبين الأشياء من جهة أخرى. الرسام جان ديبيفيه يستنجد بواقع تغطية البناءات المصطنعة للثقافة.

وجملة القول، أن عقلنا لا يستطيع إدراك غير الأشياء المفردنة، أي الأشكال. بعد ذلك يتصرف بهذه الأشكال كما يتصرف بلعبة الورق، يخلطه ببعضه ويشكل منه آلاف الزيجات والتركيبات ، كما هي حال الموسيقيين وهم خلف آلة البيانو ومعهم علاماتهم الموسيقية الاثنتي عشرة. إذا فمضمون الأشياء، وجوهر الأشياء، في المطلق، يختلف طبعا عن الأشكال (الأشكال التي نملكها أو نراها). ليس هناك شكل في المطلق، الأشكال كلها من خلال نافذته، نافذته المحرفة تماما، والمحرفة تماما (رسائل إلى ج. ب. ص. 228-229) .

إن ما بعد الحداثة، بوجود هذا العقل، أو بمجرد غيره، تعْثر علة نزعة طبيعية مضادة للإنسان، تتناقض كليا مع فلسفة التنوير وفكر لوك بشكل خاص، وهو موقف يرفض بعنف الخطابات الأيديولوجية وضمير الحضارات الحي. وهذا أيضا ما يعنيه التصريح المعروف الذي أدلى به جان فرانسوا ليوتار حول خواتم القصص العظيمة: إننا نرفض المفهوم السردي للتجربة الإنسانية وليس فقط مضمون الإيديولوجيات. وهذا ما يحرك تقويض فكرة الفاعل الإنساني.

لم يعد هناك فاعل هيغلي، ومستقبل العالم وكذلك الحداثة، ليس انبثاق الفاعل العقلاني المتحرر من المعتقدات التقليدية. لا الـ: أنا ولا الثقافة يتسمان بوحدة خاصة. ينبغي أن نرفض زعم الثقافة الغربية حول الوحدة والشمولية، كما رفض موضوع الضمير أو الكوجيطو ( أنا أفكر فأنا إذا موجود) باعتباره مبدعا للأنا. أما جيمسون فيدفع بالتحليل النقدي إلى أبعد من هذا، حينما يعرف ثقافة ما بعد الحداثة على أنها ثقافة المحاكاة Pastiche وانفصام الشخصية. المحاكاة ، لأن غياب الوحدة عن ثقافة معينة يؤدي إلى إعادة إنتاج أساليب الماضي: ألا يمكننا القول ، بشكل خاص، إن نهاية القرن العشرين قد قطعت صلاتها بحداثة القرنين التاسع عشر والعشرين وهي تحاكي القرن الثامن عشر ولا سيما فيما يخص دنيويته الأرستقراطية، وانبهارة باللغة، ومفهومه الليبرالي- الفوضوي حول نقد السلطة؟ وانفصام الشخصية، التي دعاها آخرون بالنرجسية، ذلك لأن الانغلاق في حاضر أبدي يلغي المكان الذي يسمح ببناء وحدة الثقافة.

إن نزعة ما بعد الحداثة تحدد نهاية الجزء الذي تحدث عنه نيتشة، وهو تدمير هيمنة التقنية والعقلانية الأداتية. لقد حلت التجربة وللغة محل المشروعات والقيم، وفقد العمل الجماعي وجوده كله، كما فقد معنى التاريخ وجوده. إن نزعة ما بعد الحداثة تبرز أن عملية ما بعد التصنيع الحالي لا تؤدي إلى بناء مجتمع ما بعد صناعي. بل تقوده- على العكس- إلى تمزيق المحيط الثقافي والمحيط التقني. وهو ما يدمر الفكرة التي استند إليها علم الاجتماع حتى الآن وهي فكرة الارتباط المتبادل بين الاقتصاد والسياسة والثقافة الحديثة. لا شيء يبدو قادرا على جمع ما تم فصله منذ قرن مضى. لذا فإن الإيديولوجيات السياسية والاجتماعية قد توارت ولم تستبدل بهاإلا تصريحات وعظية من ِأنها تحريك النفوس للحظة واحدة، لكنها سرعان ما تبدو آنية، ومنافقة، أي مناورة. وتدمير الإيديولوجية الحديثة هذا، وصل إلى حدة الأقصى في الوقت الذي كلف فيه رجال الدعاية بالاحتفال بالمئوية الثانية لثورة فرنسية فقدت كل معنى وتحولت إلى شيء بال. وأولئك الذين كانوا ينادون بالعودة إلى القضايا الكبرى والقيم العظيمة، ويريدون منح معنى للتاريخ، أو حتى مماهاة هوية بلادهم فرنسا والولايات المتحدة أو أي بلد آخر بهذا الاتجاه، وبمبادئ شاملة، قد ظهروا عندها كأيديولوجيين متأخرين مقابل التقليص الرسمي لما كان حدثا مؤسسا لمشهد احتفالي، وهو نتاج ثقافة جماهيرية يتنوع مضمونها وتتجدد بسرعة كما تتجدد برامج التلفزيون.
2- إن نقد الحداثة الاجتماعية والسياسية مكمل لنقد الحداثة التقنية مع أنه مختلف عنه.

فالحداثة الاجتماعية والسياسية أبدعت نماذج مجتمعية مضادة، كان تحقيقها يستدعي تدخل سلطة مطلقة فرضت الانقطاع الشامل عن النماذج السابقة. وقد قلت منذ البداية إن فكرة الثورة طالما اقترنت بفكرة الحداثة. وكان النجاح الفكري لنزعة ما بعد الحداثة في نهايةالسبعينات ناتجا عن الأزمة التي عاشتها النزعة اليسارية الثورية. والليبرالية الجديدة التي انتصرت في الحياة الاقتصادية والسياسية خلال الثمانينات، وكذلك نزعة ما بعد الحداثة الثقافية،هي منتجات موازية لتفكك النزعة اليسارية، وهو شكل أقصى لنزعة الحداثة، وبخاصة عند التروتسكيين الذين اهتموا، منذ بداية الثورة السوفياتية، بوهم الآلة المركزية، التي أصبحت خطة مركزية، تحولت قبل فترة وجيزة إلى حاسوب مركزي من شأنه تحويل حكومة البشر إلى إدارة للأشياء، وبالتالي تحرير هؤلاء من عقابيل النزعة الذاتية السياسية ذات النمط الستاليني أو الهتلري. وفي فرنسا،فإن جان بودريار هو الذى أنجز، بتصميم كبير الانتقال النقد اليساري المتطرف إلى نقد ما بعد حداثة النزعة اليسارية المتطرفة، أي نفي العامل الاجتماعي.

فهل يعني هذا أننا دخلنا عصر انحلال العامل الاجتماعي؟ كثيرون من بودريار إلى ليبوفتسكي ،يرون هذا المعنى العميق لتفكك لا تلمس فيه فكرة ما بعد الحداثة سوى القطيعة مع تقليد فكري وثقافي ما. إن الوضع ما بعد- الاجتماعي هو ناتج من الفصل التام بين الأداتية والمعنى: فالأداتية تديرها المشروعات الاقتصادية أو السياسية المتنافسة فيما بينها في الأسواق، أما المعنى فقد أصبح مجرد معنى خاص، ذاتي، حتى أنه لم يعد هناك سوى مبدأ التسامح لكي ينظم الحياة الاجتماعية. يقول ليبوفتسكي في كتابه: عصر الفراغ – ص 46-: إن الأذواق كلها والسلوكات جميعها من شأنها أن تتعايش فلا يستبعد أحدها الآخر. ويمكن اختيار كل شيء بتمهل، إذ يمكننا اختيار حياة بسيطة- كما تدعو إليها جماعة حماية البيئة- أو حياة بالغة التعقيد في زمن انتزعت حساسيته فخلا من الصُّوى الثابتة الإحداثيات الكبرى:.إن فصل الخاص عن العام لهو أمر نراه جليا أنّى توجهنا. والسياسة لم تعد تزعم القدرة على تغيير الحياة، كما فقدت البرلمانات دورها في تمثيل المتطلبات الاجتماعية، ولم تعد سوى أماكن، تتحدد فيها، بشكل يزداد ذرائعية يوما عن يوم، قاعدة سند السلطة التنفيذية التي تشكل بدورها مديرا أو مصرفا بشكل خاص. لقد توقف الأطراف على أن يكونوا اجتماعيين، وانكفأوا على أنفسهم، باتجاه البحث النرجسي عن هويتهم، لا سيما حينما لا يكونون مندمجين في الطبقة المتوسطة التي تتحدد بالمهنة والاستهلاك أكثر مما تتحدد من خلال معايير السلوك الاجتماعي. وفي الوقت الذي كانت فيه ثلة،أنا منها، تفكر بأن تجد في أيار 1968، أو في الحركات الاجتماعية التي كانت في طور التشكل آنذاك، إيذانا بعالم اجتماعي جديد من الأطراف الاجتماعية، رهاناته وصراعاته أكثر اندماجا ومركزية من رهانات ونزاعات المجتمع الصناعي وهو ما يشكل حركة أعمق من عملية إزالة الإيديولوجيا.نضيف أخيرا،أن المسألة الاجتماعية، في حالة ما بعد ظهر الكوكب الذي تتهدده النتائج الهدامة للتلوث وتكاثر التقنيات المنفصلة عن أي شكل من أشكال الاندماج الاجتماعي والثقافي.

وعلى هذا فإن الاتجاهات الثلاثة الكبرى لزماننا، وانتصار نوع من الأداتية التي تحولت إلى فعل استرتيجي، والانكفاء نحو الحياة الخاصة وتعميم دعاة حماية البيئة للقضايا التي تطرحها التكنولوجيا، تشكل كلها معا مجالا ما بعد- اجتماعي حيث تفترق العلاقات الاجتماعية البحتة، الموجهة نحو أطراف اجتماعيين آخرين، كالعلاقات مع الذات ومع الطبيعة. والسوسيولوجيون أنفسهم يشعرون وكأن كلمة اجتماعي قد غمرتهم، كما لو أنها كانت تدل على مجمل أشكال التطبيع، والنضال ضد المخدرات أو( الجيتوات)، وضد الفقر أو العنصرية، وكأنها تجديد للمشاعر الطيبة وللسلطات الصغيرة، ووعي جيد لدى طبقة وسطى تنتشر خارجها القوى غير الاجتماعية التي تتوفر لديها، وحدها، القدرة على تغير السلوكات وعلى التعبئات الجماعية. ولكم تبدو آنية تلك النداءات التي تدعو إلى الاندماج والتضامن في الوقت الذي ينمو فيه، من كل جانب، وبخطوات عملاقة، تفكك الحياة الاجتماعية التي تؤدي إلى الفوضى والعنف في أفقر المناطق وأكثرها هشاشة. لكن هذا التفكك يعيشه البعض وكأنه رخاء ناعم، أو إضعاف للقيود والقواعد في المجتمعات الأكثر غنى. كما لو أن الندرة كانت قد فرضت تكثيف السلطة وصرامة القوانين، وهو الأمر الذي كان يسمح للمجتمع الغني، بالتطور عن طريق تنظيم نفسه بنفسه دون أي تدخل مركزي.

ولكن حتى لو صعبت علي مراقبة هذا السخط، الذي تسببه لي هذه الرؤية، البعيدة جدا عن الأوضاع القابلة للمراقبة، فإني أعترف بأن هذا الفكر ما بعد- الاجتماعي، وحينما يحطم الإيديولوجيات الحداثية، قد حررنا من ذلك الانبهار الذي تمارسه السلطات التقدمية، حتى الأكثر قمعية، على عدد كبير من المثقفين الحريصين على حرياتهم الخاصة.

3- هذان المسعيان: المافوق–حداثي، والحداثي المضاد، من شأنهما الخروج تماما من مجال الحداثة، لكنه خروج قد يكون في اتجاهين متقابلين.

والاتجاه، الذي غالبا ما يكون راسخا، هو ذلك المتمثل في القطيعة مع التاريخانية، و بالتالي استبدال تتابع الأشكال الثقافية بآنيتها. إن العمل الذي يثقله المجتمع بالدلالات الدينية والاجتماعية، أي المجتمع الذي لا يتميز كثيرا، ينبغي أن يوضع، في خيالنا وفي متاحفنا، جنبا إلى جنب مع مجرد ترتيب الأشكال مع التعبير المباشر عن شعور ما، أو مع عمل محمل بالمعنى التجاري أو السياسي. ليس لأنها جميعا قد تحيلنا إلى أفكار أبدية، بل لأنه ليس هناك شيء يسمح بالاختيار بين التجارب التي ينبغي قبولها كلها انطلاقا من اللحظة التي تملك فيه، كما يقول هابرماس، شيئا من الأصالة. هذه التعددية الثقافية والعودة إلى الشرك الممزوج بالإلحاد يدفع بفكرة فيبر، التي سبق أن أخذها عن كانط، إلى مداها الأخير، وهي: أنه إذا كانت الحداثة تستند إلى فصل الجواهر والظواهر، وإذا كان الفعل التقني والعلمي يقع في المجال الثاني من تلك المجالات فقط، فإن فضاءنا الثقافي والسياسي هو حتما فضاء مشرك (يؤمن بعدة آلهة)، لأن وحدانية التفسير العقلاني للظواهر ينفصل عن عالم الآلهة، الذي لم يعد من الآن فصاعدا يتمتع بأي مبدأ من مبادئ الوحدة. وتصبح ما عبد الحداثة هنا، ما بعد- تاريخانية التي تعطيها معناها الأساسي وتمنحها أهميتها. وما بعد الحداثة هذه ترتبط بتجربة معاصرينا الذين يعبرون الزمان والمكان عن طريق الأسفار وزيارة المتاحف، وقراءة الكتب، والفن، والاستماع إلى الإسطوانات وأشرطة التسجيل التي تجعلهم أيضا حساسين إزاء أعمال هم قريبون منها ماديا، أو على العكس، تفصلهم عنها العصور أو آلاف الكيلومترات. لقد استعاد جان كازنوف موضوعة إرنست بلوخ حول آنية اللاآني، وشدد، فيما يتعلق بالتلفزيون، على قدرته على تقريب وتأيين [جعله آنيا] ما هو بعيد في الزمان أو المكان. وهكذا تتحطم الفكرة التي طالما ظلت جلية، أي فكرة وحدة الثقافة، وتتعزز وحدة التعددية الثقافية التي قال عنها كلود ليفي شتراوس بشجاعة إنها كانت تقتضي نوعا من الانغلاق الدفاعي لكل ثقافة، إلا ستتحطم تلك الثقافات عاجلا أم آجلا، إما بسبب ثقافة مهيمنة أو عن طريق فعل أجهزة تقنية وبيروقراطية أداتية، وبالتالي فهي بعيدة عن عالم الثقافة. إن ما عبد الحداثة تغذي مباشرة نزعة بيئوية ثقافية، تتعارض مع عالمية الإيديولوجيا الحداثية، خصوصا في مرحلتها الظافرة وفي البلدان التي تتماهي بشكل كبير مع الحداثة، ومع القيم العالمية كحالة فرنسا إبان الثورة والولايات المتحدة في الفترة الحدية التي شكلت فترة هيمنتها.
إن التفريق الكامل بين العقلانية الأداتية التي أصبحت استراتيجية في الأسواق المتحركة، وبين التجمعات البشرية المغلقة في اختلافاتها ، يحدد حالة ما بعد الحداثة. كانت نزعة الحداثة تؤكد أن تقدم العقلانية والتقنية لم تنجم عنه فقط آثار خطيرة مثل تصفية المعتقدات والأعراف والفضائل الموروثة عن الماضي، لكنه خلق أيضا مضامين ثقافية جديدة. ولطالما أكدت نزعة التحديث عن تكاملية العقل والمتعة بشكل فوضوي وأرستقراطي في القرن الثامن عشر، وبرجوازي في القرن التاسع عشر، وشعبي في القرن العشرين، وذلك بفضل ارتفاع مستوى الحياة. وبعد أن تحرر الفرد الحديث من عقدة الذنب التي أورثه إياها الفكر الديني، فقد صار بمستطاعه أن يجمع متع الجسد إلى متع الروح، بل وحتى الى انفعالات النفس، وكان ينبغي عليه أيضا أن يكون بارعا وحساسا بمقدار ما هو ذكي. إن صورة الـ(kalos kagathos ) ( الحسن والجميل ) كما كان اليونانيون يقولون، لم تكن مقنعة أبدا، لأنها تدل بالفعل على لا مبالات مزعجة إزاء الشروط الحقيقية لحياة الأغلبية. لكن فكرة الربط المباشر بين فكرة العقلنة وبين النزعة الفردية لم توضع في موضوع الشك إلا في حالات نادرة، بما في ذلك انتقادات التفاوت الاجتماعي والاستغلال الاقتصادي، إذا كنا نطالب بحق الجميع بالدخول في عالم حديث أي في عالم منتج وليبرالي وسعيد في الوقت نفسه. هذه الصورة الشاملة عن الحداثة هي التي تحطمت بعد أن تصدعت جراء هجومات كل أولئك الذين وضعوا فكرة الحداثة نفسها في أزمنة بدءً من النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

إن ظروف النمو الاقتصادي والحرية السياسية والسعادة الفردية لم تعد تبدو متناظرة ومترابطة فيما بينها. ذلك أن فصل الاستراتيجيات الاقتصادية عن بناء نمط مجتمعي معين وثقافة وشخصية، كل هذا قد ظهر بشكل سريع جدا، وهذا الفصل هو الذى يسمى فكرة ما بعد الحداثة ويحددها.

وإذا كانت الحداثة تربط التقدم مع الثقافة وتضع الثقافات أو المجتمعات التقليدية في مقابل المجتمعات أو الثقافات الحديثة، مفسرة بذلك أية واقعة اجتماعية أو ثقافية من خلال مكانها على محور: تقليد – حداثة، فإن ما بعد الحداثة تفصل ما كان مشتركا. وإذا لم يعد النجاح مناسبا لعقلانية المهندس بل ملائما لواقعية الاستراتيجي، وبالتالي إذا لم يعد واحدا من آثار الأخلاقيات البروتستانتية أو من نتائج خدمة الأم ، إنما نتاج عبقرية الممول( رجل الأعمال) أو جرأة اللاعب– بالمعنى الذى نتحدث فيه عن نظرية الألعاب– فلا بد من التنازل عن إرث فيبر وكوندورسيه، وبالتالي تعريف الثقافة دون الرجوع، من الآن فصاعدا إلى تقدم العقلنة، وبالتالي الخروج من مجال الفعل التاريخي. ويشير جياني فاتيمو إلى تغيرين باعتبارهما أساسيين في تحديد ما بعد الحداثة: نهاية الهيمنة الأوربية على مجمل العالم، وتطور وسائل الإعلام التي أصغت لصوت الثقافات المحلية او الأقلياتيه . وبهذا تتوارى العولمة التي كانت تولي أهمية مركزية للحركات الاجتماعية، التي كانت أوروبا القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تفترض أنها تناضل من أجل العقل والتقدم أو ضدهما. وعليه لم يعد المجتمع يتمتع بالوحدة ولم تبق، بالتالي، أية شخصية، أو أية فئة اجتماعية، مثلما لم يعد أي خطاب يملك القدرة على احتكار المعنى وحده، الأمر الذى يؤدي إلى تثاقفية متعددة تدافع عنها أعمال كثيرة. وعلى صعيد آخر، فإن القلق الذى أشرنا إليه، أمام الفصل بين سلوكات الإنتاج والاستهلاك والحياة السياسية، وبالتالي أمام تواري المجتمع الذى كان الفكر الغربي يتصوره، هذا القلق إذا سيهتدي إلى وعي اختفاء القوى الصانعة للتاريخ. وبموازاة ذلك،فإن الفاعل الفردي ينجز تفككه لدرجة أن إرفينغ غوفمان يرده إلى سلسلة من عروض الذات التي تتحد من خلال سياقها، عن طريق أفعال متبادلة لا عن طريق توجهات للفعل وللمشروعات، وهو الأمر الذى يختصر الذات إلى كم فقير.

وفي نهاية القرن العشرين هذه يبدو أن تحطيم الأنا والمجتمع والدين، وهو ما بدأه نيتشه وفرويد، قد بلغ حده. وقد تعزز هذا التحطيم بفكر نيكلاس لومان، الذى يستبعد فكرتي الذات والطرف الاجتماعي، كما بدتا في وظيفية تالكوت بارسونز، وذلك من خلال تركيز التحليل على المنظومة نفسها، وعلى الاختلاف المتعاظم للمنظومات الفرعية التي يشكل الآخرون بالنسبة لها مجرد إطار لا أكثر، وكأن الحياة الاجتماعية لم تعد سوى إطار للمنظومة السياسية.

من السهل توجيه النقد إلى تنوع المعاني المنسوبة إلى نزعة ما بعد الحداثة، لكن هذه الانتقادات لا تصل إلى ما هو أساسي.إن نزعة ما بعد الحداثة كما جئت على تعريفها، والتي سأقوم بوصف توجهاتها الأساسية، هي أكثر بكثير من مجرد صيغة فكرية، فهي تستكمل مباشرة النقد الهدام للنموذج المعقلن الذى نادى به ماركس ونيتشه وفرويد. إنه نتيجة حركة فكرية طويلة. ولطالما عارضت هذه الحركة بشكل دائم تقريبا التحديث التقني والاقتصادي، الذى لم يفسره أي كتاب فكري كبير خلال القرن الماضي، ربما باستثناء أعمال ديوي التي تغذت من النزعة الداروينية. كيف يسعنا ألا نرى أن نزعة ما بعد الحداثة، ومن خلال هذه الأشكال المختلفة، لا تتلاءم مع ماهو أساسي في الفكر الاجتماعي الذى ورثناه عن قرنين سبقا عصرنا، لاسيما بوجود مفاهيم مثل مفهوم التاريخانية، ومفهوم الحركة الاجتماعية ومفهوم الفاعل الاجتماعي، وهي مفاهيم سأدافع عنها على الرغم من كل شئ ضد هذا الفكر ما بعد الحداثي.

وهذا الفكر يجمع على الأقل أربعة تيارات فكرية يمثل كل واحد منها شكلا من أشكال الانقطاع مع الإيديولوجيا التحديثية..

وهذا الفكر يجمع على الأقل أربعة تيارات فكرية يمثل كل واحد منها شكلا من أشكال الانقطاع مع الإيديولوجيا التحديثية:

1-التيار الأول:

يحدد نزعة ما بعد الحداثة على إنها ما وراء حداثة (أو حداثة مبالغ فيها) كما كان دانييل بيل يعرف المجتمع ما بعد الصناعي على أنه مجتمع ما وراء صناعي. إن حركة الحداثة لا تكف عن التسارع، وصارت الطلائع شيئا فشيئا آنية، وأصبح الإنتاج الثقافي كله، كما يقول بحق، جان فرانسوا ليوتار، طليعة بسبب الاستهلاك السريع للغة وللعلامات. إن الحداثة تلغي نفسه بنفسها. وبينما عرفها بودلير على أنها حضور الخالد في الحالي، وهو ما كان يتعارض مع مثالية الثقافات المتعلقة باستخلاص الأفكار الخالدة من تشويهات وأدران الحياة العملية والمشاعر، فإن هذه الحداثة تبدو، بعد قرن،سجينة اللحظة ومضطرة للدخول التدريجي التام في عملية إلغاء المعنى. وهي ثقافة لاهية، لاتتنازل عن الحداثة، إنما ترجعها إلى مجرد بناء ترتيبات تقنية لم تعد تشد الانتباه، اللهم إلا من خلال جدتها ومآثرها التقنية، التي سرعان ما تم تجاوزها.
Link أهلا جنونياتي موريتانيا ماتريكس أشعـــاري السياسية المتنــوعة التعليمية الثقافية إسلامية نقشات كمبيوتر دردشة معلومات عنا شعــر إرســل إلى النمين